مجموعة مؤلفين
187
أهل البيت في مصر
ومع الفرحة تكون النبوءة : هذه الطفلة النبوية تنتظرها من أيام الجهاد أشقّها وأثقلها على القلب وطأة « . . . فهم يذكرون أن سلمان الفارسي أقبل على عليّ بن أبي طالب يهنّئه بوليدته ، فألفاه واجما حزينا ، يتحدّث عمّا سوف تلقى ابنته في كربلاء . . . ! » « 1 » . وتحت ظلال هذه النبوءة تنمو زينب في كنف الرسول مع أمّها فاطمة سنوات خمسا ، أو تقارب الست ، وتدرج طفلة رصينة ناضجة ، لا تفارق أمّا مجاهدة متبتّلة ، تسابقها في إسباغ الوضوء ، وتلاحقها في إقامة الصلاة ، ترشف وتتعلّم ، وتحاكي كل حركة وسكنة تفعلها الأم البتول التي هي أشبه خلق اللّه بالرسول صلّى اللّه عليه وآله . وفاطمة تحتضن زينب بين ابتسامة ورقرقة دمعة ، تدعو لها : « جعل اللّه فيك الخير يا زينب ، وفي أبنائك البررة الأتقياء ، وكأنّي يا ابنتي أنظر إليك وأنت تدافعين عن الحق المهضوم ، بمنطق فصيح ولسان عربيّ مبين » . ثم تأتي اللحظة التي تلحق فيها الأم القدوة بأبيها العظيم في رحاب اللّه ، حزينة ، غاضبة ، وقد أوجعها أن ترى الحق يخرج من مكمنه ، وبشفافية التقى والتبتّل تراه ، وقد استدرجته الأهواء ؛ ليكون كرة تتقاذفها العاصفة الفاتنة ، التي سوف يستشهد فيها زوجها وأبناؤها وأهل بيتها ، صرعى مجندلين « 2 » ، لا يؤنسهم إلّا الحق في وحشة الطريق . وغريب : لا تشعر زينب بثقل هذا اليتم الرهيب المبكّر ، حين يفقد الإنسان أمّا ليست ككل الأمّهات ، فكأنّها استثقلت على أمّها مواصلة الحياة بعيدا عن النبي المفدّى ، فآثرت لها سعادة اللقاء به على مرارة الفراق عنها ، فداء لها ، وبرهان حب سخي . وتوصيها فاطمة في ثقة واحترام أن تكون « أمّا لأخويها : الحسن والحسين » ! وتنفّذ زينب الوصية بدقّة والتزام ، فتكون أمّا حقيقية ، وهي لم تتجاوز السادسة ، لا تفارق أخويها ، حتّى بعد زواجها وزواجهما ، لتبقى دائما أمّا لهما ، ثم لتصير من بعد ذلك أمّا للشهداء في كل زمان ومكان !
--> ( 1 ) . عن كتاب « السيدة زينب بطلة كربلاء » للدكتورة بنت الشاطئ : 30 ط . دار الهلال ، القاهرة ( المؤلّفة ) . ( 2 ) . مجندل : ممدّد .